رواية ماريانا | رواية فانتازيا عربية ملحمية عن الحب والسلطة والحرب | الجزء الأول
الفصل الأول: ليلة الميلاد
عندما ظهرت العربات أخيرًا، لم يصفق أحد.
كان صرير العجلات الخشبية هو الصوت الوحيد الذي يقطع صمت الشارع المظلم. وقف الجنود يدفعونها بين أزقة العاصمة، يحملون الشعير ويوزعونه على الناس المنتظرين في البرد.
مد شيخ يده المرتعشة، أخذ حفنة صغيرة وقلبها بين أصابعه، ثم تنهد وهو يلتقط حصاة صغيرة من بين الحبوب.
بصق رجل كان يقف بجواره على الأرض، وقال بمرارة إنهم يحتفلون الليلة بميلاد الأمير ويعطونا هذا التراب!
أعطاه الشيخ الحصاة وقال بنبرة هادئة: الملك لا بد أن يعرف.
هز الرجل رأسه في صمت. لم يكن أحد يجرؤ على سب سيجارد؛ فكلهم يعرفون أن الرجل الذي أوقف الحروب لا يمكن أن يرضى بأن يأكل شعبه هذا الطعام. لكن أحدًا أيضًا لم يكن يدرك لماذا كانت الوعود التي تخرج من القصر أجمل دائمًا من الأشياء التي تصل إليهم.
في تلك الليلة، كان الجميع يدعو للملك قبل أن يدعو لنفسه.
فوقهم تمامًا، كانت أسوار القصر تلمع تحت ضوء المشاعل كأنها تنتمي إلى عالم آخر.
في الداخل، كانت رائحة البخور تغلب على كل شيء، والشموع تصطف على جانبي الممر الطويل المؤدي إلى جناح الملكة. وقف الملك سيجارد الذي قارب السبعين من عمره. أمام الباب المغلق منذ ساعات، يدور للمرة الألف في المكان نفسه. كان قائدًا لم تهزه الحروب، لكنه للمرة الأولى كان يعجز عن مواجهة باب.
خلف الخشب السميك، كانت سيرين تصارع ثلاثين عامًا من الانتظار.
لم تكن تصرخ من وجع الجسد وحده، بل من عمر كامل قضته وهي تسمع همسات القصر عن الملكة العاقر التي تأخر رحمها، والزوجة التي دفعت زوجها إلى فراش امرأة أخرى جارية حتى لا ينقطع نسل المملكة. كانت تعرف أن الجميع اعتبر وجود الجارية هزيمتها، أما هي... فكانت تعتبرها التضحية الوحيدة التي يمكن أن تقدمها لعرش زوجها.
اليوم فقط، وقد تجاوزت الخمسين، شعرت أن الإلهة هالان لم تنسها.
وضعت القابلة يدها فوق بطنها وهمست أن الطفل يقترب. أغمضت سيرين عينيها، وابتسمت لأول مرة منذ بدأت آلام المخاض.
...
في نهاية الممر، وتحت ظل أحد الأعمدة الرخامية، كان لوسيان يراقب الباب المغلق الفتى ذو الأربعة عشر عامًا ابن سيجارد من الجارية.
لم يأتِ أحد ليستدعيه، ولم يطلب منه أحد الانتظار، لكنه لم يستطع الابتعاد. كان يمسك سيفًا خشبيًا فقد لونه من كثرة التدريب، يحرك طرفه فوق الأرض الرخامية فيرسم خطوطًا متعرجة ثم يمحوها بقدمه.
قبل ساعات، أوقفت أمه تدريبه، نظرت إليه طويلًا، ثم أمسكت وجهه بين يديها وقالت بصوت خافت: "إن خرج من هذا الباب ولد... لن يعود شيء كما كان."
لم يفهم الصبي كل ما قصدته، لكنه فهم شيئًا واحدًا: أنه خائف.
رفع عينيه نحو الباب، وهمس لنفسه بدعاء خفي: "لتكن فتاة..."
ظل يكررها بقلبه كأنها طوق نجاة: لتكن فتاة.
مر سيجارد بجواره دون أن ينتبه إليه، كانت خطواته سريعة ووجهه منهكًا. اقترب الملك من النافذة المطلة على العاصمة، ورأى المشاعل الصغيرة تضيء الشوارع المظلمة. ابتسم وهو يظن أن الشعب يشاركه فرحته، غير عالم بأن ما ينتظر الناس خارج الأسوار لا يشبه إطلاقًا ما أمر به.
في الساحة الكبرى، كان الوزير ميرون، الذي كان الشعب يلقبه بالذئب، يتابع توزيع العربات من بعيد.
اقترب منه ضابط وهمس بأن الشعير قد انتهى.
ابتسم ميرون ابتسامة باردة وقال: "بل انتهى في السجلات... أكملوا التوزيع."
انحنى الضابط وانصرف؛ فبعض الأسئلة لا تُطرح إذا أراد صاحبها أن يعود لبيته حيًا.
رفع ميرون عينيه نحو القصر معتقدًا بثقة: في الليالي الكبيرة لا ينشغل الناس بما يأكلون، بل بما يحتفلون به... ولهذا كانت الليلة أفضل ليلة لدفن الحقيقة.
داخل جناح الملكة، اشتد الصراخ فجأة، ثم... انقطع كل شيء.
سقط الصمت على القصر كأنه غطاء ثقيل. تجمدت أقدام الحراس، وحتى لوسيان سقط السيف الخشبي من يده.
ثم... شق السكون صوت بكاء طفل.
فُتح الباب بعنف، وخرجت القابلة تهتف بصوت هز أرجاء القصر: وُلد الوريث... وُلد الأمير ليون!
تجاوز سيجارد الجميع وجثا على ركبتيه بجوار سيرين. كانت شاحبة ومرهقة، لكنها ابتسمت عندما رأته... ابتسامة صغيرة كانت تكفي لتعيد إليه العالم كله. أخذ يدها وقبلها، ونظر إلى الطفل الملفوف بالقماش الأبيض. خانته الدموع وصمت.
أما خارج الغرفة... فلم يصفق لوسيان.
نظر إلى الباب المفتوح طويلًا، ثم انحنى ببطء، التقط سيفه الخشبي، وضمه إلى صدره، واستدار. لم يكن يبكي، لكنه شعر للمرة الأولى أن القصر الذي نشأ بين جدرانه منذ طفولته... لم يعد بيته.
...
في الجهة الأخرى من القصر، كانت أم لوسيان تقف خلف نافذتها الضيقة. لم تكن بحاجة لمن يخبرها بما حدث؛ فقد فهمت كل شيء مع دقات أجراس المعبد.
عندما دخل عليها لوسيان ينظر للأرض بكبرياء مكسور، انحنت أمامه وقالت بصوت خافت يحمل خوف سنوات: "تذكر ما سأقوله لك جيدًا... في هذا القصر لا يكفي أن تكون ابن الملك، يجب أن تكون الرجل الذي لا يستطيع أحد الاستغناء عنه."
وفي الوقت نفسه، كان أحد الرجال خارج الأسوار يحمل كيس الشعير على كتفه عائدًا لبيته مع ابنه الصغير.
دخل بيته المتواضع، ووضع الكيس ليعدوا الخبز. غرس يده بين الحبوب، فسقطت حبات على الأرض. أسرع الطفل يجمعها، ثم توقف وهو ينظر لشيء بين أصابعه بدهشة.
رفع يده نحو أبيه... كانت حصاة صغيرة ملساء.
سأل الصغير ببراءة: "كيف دخل الحجر إلى الطعام؟"
ظل الرجل ينظر إلى الحصاة، ثم أخذها ووضعها فوق حافة النافذة. رفع عينيه نحو القصر الذي يتلألأ فوق التل في ظلام الفجر، وقال بصوت هادئ كأنه يحدث نفسه: "لا أعرف... لا أعرف يا بني."
...
يتبع - - - - - - الفصل الثاني
عزيزي او عزيزتى متنسوش تشتركوا في المدونة عشان يوصلكم كل جديد من مقالات أو أعمال فنية جديدة... كمان نحب تشاركنا رأيك أو نقدك في التعليقات 👇
لمحبي روايات الغموض والقصص القصيرة:
اخترنا لك أفضلها على مدونة قصصي:
- [قصة الغموض النفسي] - رحلة البحث عن موت هادئ. من مجموعة "لو" القصصية
- انتظرنا أكثر | قصة قصيرة من مجموعة "لو" القصصية
- رأى هواءٌ يتذكر | قصة فلسفية قصيرة عن المدن والذاكرة من مجموعة "لو" القصصية
- [رواية التشويق والإثارة (1:1)] - الحلقة الأولى
- رواية القبضة GRASP - إثارة نفسية مؤثرة
© جميع الحقوق محفوظة 2026 – كلمات: مايكل عزمي. يمنع نسخ أو إعادة نشر أو استخدام هذه الكلمات كليًا أو جزئيًا دون إذن كتابي مسبق

تعليقات
إرسال تعليق