رواية القبضة | إثارة نفسية مؤثرة | الجزء الأول | إستلام الإرث و الأسرار

الفصل الأول

الإرث



غلاف رواية القبضة الجزء الأول، تأليف مايكل عزمي، في أجواء درامية وغامضة تعكس الصراع النفسي والمواجهة التي تدفع الشخصيات إلى أقصى حدودها.



لم يكن خبر وفاة الدكتور هادي عبد الرحمن مفاجئًا.

الرجل تجاوز السبعين، وقضى عمره كله بين العيادة والمستشفى والجامعة. حتى في سنواته الأخيرة، كان يصر على استقبال مرضاه بنفس الابتسامة الهادئة، وبنفس الجملة التي يبدأ بها كل جلسة:

احكيلي... من غير ما تخاف.

لذلك، بعد انتهاء العزاء بثلاثة أيام، كانت الحياة قد عادت إلى طبيعتها. اللافتة النحاسية المعلقة على واجهة العيادة بقيت كما هي، والجيران بدأوا يتحدثون عن أشياء أخرى، كأن الرجل لم يترك وراءه سوى ذكرى طيبة.

في الساعة الحادية عشرة صباحًا، توقفت سيارة أجرة أمام العمارة.

ترجل منها شاب طويل القامة، في منتصف الثلاثينيات، يحمل حقيبة سفر سوداء تبدو أثقل من أن تكون مجرد أمتعة. دفع الأجرة، وانتظر حتى ابتعدت السيارة، ثم رفع رأسه ببطء نحو المبنى.

لم ينظر إلى الشقة.

نظر إلى يافطة العيادة.

ابتسم.

لم تكن ابتسامة ابن عاد ليحزن على أبيه، بل ابتسامة شخص وقف سنوات طويلة أمام باب مغلق، وأخيرًا أصبح المفتاح في جيبه.

صعد السلم دون استعجال. كان يعرف العمارة جيدًا، يعرف أن الشقة المقابلة كانت تسكنها سيدة عجوز كانت ترسل له الحلوى كل عيد وهو طفل.

كل شيء كما تركه.

أخرج مفتاح الشقة وقبل إن يفتح الباب نظرا للشقة المقابلة و يافطة صغيرة بجوارها مكتوب عليها:

عيادة 

الدكتور / هادي عبد الرحمن 

للطب النفسي 

ابتسم الشاب كريم ابتسامة انتصار مجيد! 

فتح باب البيت. 

استقبلته رائحة قديمة يعرفها جيدًا؛ خليط من الكتب والقهوة والأثاث الخشبي. لم يتجول في المكان، ولم يلق نظرة على الصور المعلقة أو الأثاث. وضع حقيبة السفر بجوار الباب، ثم اتجه مباشرة إلى غرفة المكتب.

فتح أول درج.

لم يجد ما يريد.

الثاني.

الثالث.

حتى عثر على سلسلة مفاتيح صغيرة، انتزع منها مفتاحًا وأغلق الدرج.

قبل أن يخرج، التفت دون سبب واضح إلى الكرسي الهزاز المجاور للمكتبة.

كان والده يجلس هناك.

هادئًا، مستقيم الظهر، يضع ساقًا فوق الأخرى، وينظر إليه بنفس النظرة التي كان ينظر بها إليه منذ خمسة عشر عامًا، عندما كان يعود متأخرًا إلى المنزل.

ابتسم كريم ابتسامة ساخرة.

متقلقش....

ظل الرجل صامتًا. اقترب كريم من الباب.

فجاءه الصوت الهادئ خلفه.

لسه قدامك فرصة تمشي.

توقف لحظة، لكنه لم يلتفت.

الغريب إنك لسه فاكر إنك كنت بتعرف تمنعني.

فتح الباب وخرج.

وعندما أغلقه خلفه، عاد الكرسي الهزاز ساكنًا.

كان فارغًا.

وقف كريم أمام باب العيادة، أدخل المفتاح في القفل، وأداره ببطء.

صدر صوت احتكاك معدني ثقيل، كأن الباب لم يُفتح منذ زمن.

دفعه إلى الداخل.

لم يشعر بالغربة.

بل شعر أن المكان كان ينتظره.

المكتب الخشبي الكبير في مكانه، والمكتبة التي تغطي الحائط بالكامل كما هي، والشيزلونج الجلدي الذي طالما سخر منه في شبابه لأنه يشبه ما يراه في الأفلام القديمة، ما زال يحتل منتصف الغرفة.

اقترب منه وربت عليه بكفه وقال:

لسه شغال؟

ثم جلس خلف المكتب.

كانت أول مرة يجلس على هذا الكرسي.

مرر يده على سطحه الخشبي، ثم فتح اللابتوب الموضوع بعناية إلى جوار بعض الملفات.

ظهرت شاشة تطلب كلمة مرور.

ظل يحدق فيها ثوانٍ. ثم كتب تاريخ ميلاده.

ضغط مفتاح الإدخال. انفتح الجهاز.

ظل ينظر إلى الشاشة، ثم أطلق ضحكة قصيرة.

حتى الباسورد... تاريخ ميلادي.

أسند ظهره إلى الكرسي.

أهو اعترفت أخيرًا.

جاءه صوت هادي من الشيزلونج.

اعترفت بإيه؟

لم ينظر إليه.

إن أهم يوم في حياتك... كان يوم ما أنا اتولدت.

رد الأب بهدوء:

أهم يوم في حياتي كان يوم ما كنت فاكر إني هعرف أربيك.

ساد الصمت للحظات.

فتح كريم مجلدًا كبيرًا يحمل اسم:

Patient Archive

ظهرت أمامه عشرات المجلدات.

كل مجلد يحمل اسم مريض.

وتحته عشرات التسجيلات الصوتية.

اختار أول ملف عشوائيًا.

ضغط تشغيل. واستمر في تسريع التسجيل حتى سمع:

صوت امرأة يملؤه البكاء:

"...وأقسم لو عرف الحقيقة... هيقتلني."

أوقف التسجيل.

فتح الملف التالي.

صوت شاب يرتجف:

"كل ما أقفل باب الأوضة بحس إني هموت."

إيقاف.

ملف آخر.

صوت رجل خمسيني:

"أوقات ببقى حاسس إن الشخص اللي جوايا... أجرأ مني بكتير."

إيقاف.

ملف آخر.

صوت شابه:

"أنا معرفش أنا عايزة إيه... أنا طول عمري بنفذ اللي الناس عايزاه."

إيقاف.

ملف أخير.

صوت رجل يضحك، ثم يبكي في اللحظة نفسها.

"أنا ضيعت عمري وأنا بمثل إني سعيد."

ساد الصمت داخل العيادة.

أغلق كريم اللابتوب ببطء، ثم نهض واتجه نحو النافذة.

في الخارج، كان الناس يعبرون الشارع بشكل عادي، لا أحد منهم يعرف أن عشرات الأسرار الإنسانية أصبحت الآن في يد رجل اخر. 

قال هادي له بصوته الهادئ:

دول ناس وثقوا فيّ... والسر أمانة 

أجابه كريم وهو ينظر إلى الشارع:

السر قوة.

و استدار إليه أخيرًا.

هادي:

وده الفرق بين الطبيب... والجلاد.

ابتسم كريم ابتسامة باردة.

أنا شايف إن الإنسان... أول ما تعرف سره، يبقى خلاص... عرفت مكان الزرار، فا ليه لأ!! 

عاد إلى المكتب، وفتح قائمة المرضى مرة أخرى.

ظل يتصفح الأسماء حتى توقف عند خمسة منها.

هناء.

يوسف.

فؤاد.

سلمى.

شريف.

لم يكن يعرفهم شخصيًا.

لكنه كان يعرف عنهم ما لا يعرفه أقرب الناس إليهم.

التقط ورقة وقلمًا.

كتب الأسماء الخمسة في منتصف الصفحة.

ثم أغلق اللابتوب بهدوء، ووضع الورقة داخل درج المكتب.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال وكأنه يخاطب شخصًا لا يراه أحد غيره:

أنا مش ورثت عيادة... أنا ورثت البشر! 
يلا يا دكتور هادي...
نبتدي العلاج.





الفصل الثاني | الاختيار

استيقظ كريم في السابعة صباحًا على صوت منبه هاتفه.

لم يكن من محبي النوم الطويل، ولا من محبي الفوضى. في أقل من نصف ساعة كان قد استحم، ارتدى ملابسه، وأعد فنجان قهوته بنفس الطريقة التي اعتاد عليها منذ سنوات؛ بلا سكر، وملعقة قرفة صغيرة.

حمل اللابتوب من العيادة إلى الشقة، ووضعه على مائدة الطعام. أوصل قرصًا خارجيًا صغيرًا، ثم بدأ ينقل عشرات التسجيلات الصوتية إلى جهازه اللوحي. استغرق الأمر بضع دقائق، استغلها في ترتيب المجلدات، فأنشأ خمسة ملفات جديدة، حمل كل واحد منها اسم أحد المرضى الذين لفتوا انتباهه بالأمس.

هناء... يوسف... فؤاد... سلمى... شريف.

ما إن انتهى النقل حتى أغلق اللابتوب، ووضع سماعة بلوتوث صغيرة في أذنيه، والتقط جهازه اللوحي. أصبح يستطيع الاستماع إلى الجلسات في أي مكان داخل الشقة، دون أن يظل حبيس المكتب.

ضغط على أول تسجيل، ثم اتجه إلى المطبخ.

انساب صوت الدكتور هادي في أذنه بهدوئه المعتاد.

صباح الخير يا أستاذة هناء... أخبارك إيه النهارده؟

لم يهتم كريم بالسؤال، وانشغل في سكب القهوة.

بعد ثوانٍ جاء صوت هناء، مترددًا، وكأنه يخرج بصعوبة من بين دموعها.

كل مرة يبصلي... بحس إنه عارف... 

توقف كريم عن تقليب القهوة.

كان مهتمًا بالخوف.

أعاد الجملة مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

ابتسم ابتسامة خفيفة، وهمس لنفسه:

دي مش خايفة منه... دي خايفة من نفسها.

أخرج مفكرة صغيرة من جيبه، وكتب تحت اسم هناء:

حرف G.

أغلق المفكرة، وانتقل إلى التسجيل التالي.

...

كل ما أقفل باب الأوضة بحس إني هموت.

هذه المرة لم يتوقف عن إعداد فطوره.

كان هذا صوت يوسف فتركه يتحدث لدقائق، بينما كان يقطع شريحة خبز ويضع عليها قطعة جبن.

لكن عندما قال بتردد:

...وأوقات ببقى خايف من نفسي أكتر من أي حاجة.

رفع كريم رأسه.

أوقف التسجيل.

كتب سطرًا واحدًا.

يوسف F.

أغلق المفكرة.


بعد ساعة، كانت رقعة الشطرنج الخشبية موضوعة فوق الطاولة الصغيرة في الصالة.

جلس كريم أمامها وحده.

حرك الجندي الأبيض خطوتين.

ثم مد يده إلى القطع السوداء.

وقبل أن يلمسها، جاء صوت الدكتور هادي من السماعة.

أنت بتدور على سبب... ولا على مبرر؟

لم يكن السؤال موجهًا إليه.

كان جزءًا من جلسة قديمة.

لكن كريم سحب السماعة من أذنه ببطء، والتفت إلى الشيزلونج المقابل.

كان والده مستلقيًا عليه، يراقبه بصمت.

ابتسم كريم.

الاتنين.

لم يرد هادي.

عاد كريم إلى رقعة الشطرنج، وحرك القطعة السوداء بنفسه.

ثم أعاد السماعة إلى أذنه، وكأن شيئًا لم يحدث.


قضى بقية الصباح يتنقل بين التسجيلات.

لم يكن يستمع إليها كلها.

كان يصطاد منها لحظات بعينها.

جملة...

تنهيدة...

صمت طويل...

أو بكاء مفاجئ.

كلها كانت بالنسبة له أهم من التشخيص المكتوب في الملف.

مع مرور الوقت، امتلأت صفحات المفكرة بملاحظات قصيرة، لكنها لم تكن تشبه ملاحظات الأطباء.

هناء: G.

سلمى: R.

شريف: A. 

فؤاد: S.

يوسف: P.

أغلق المفكرة، وظل يتأمل الأسماء الخمسة للحظات.


رن جرس باب العيادة... ذهب كريم للباب 

وجد الدليفري 

الشاب يدخل العيادة.

يبص حواليه ويقول:

الله يرحم الدكتور هادي... كان راجل محترم.

كريم يبتسم.

كنت تعرفه؟

-  أيوة... دي الناس كلها بتحبه.

يديله الإكرامية... الشاب يمشي.

أول ما الباب يقفل...

كريم يكتب ينظر في الفاتورة يلاقي اسم عامل التوصيل ورقمه مكتوبين... 

يبتسم قليلا وهو بيقول كل الناس بتسيب وراها أثر... تقدر تستخدمه! 


ثم تناول هاتفه المحمول.

فتح ملفًا كان قد أنشأه صباحًا، يضم أرقامهم جميعًا.

ظل إصبعه معلقًا فوق أول اسم.

هناء عبدالعزيز.

ابتسم.

ثم ضغط زر الاتصال. رفع الهاتف إلى أذنه.

رن مرة...

ومرتين...

وثلاث مرات...

ثم جاءه صوت امرأة متحفظة: ألو؟

ابتسم كريم ابتسامة هادئة، وقال بنبرة كأنه صديق يعرفها من سنين:

صباح الخير يا أستاذة هناء... مع حضرتك كريم، ابن الدكتور هادي عبد الرحمن. 


يتبع... 

لمتابعة الجزء الثاني رواية القبضة | دراما نفسية | الجزء الثاني | التصرف في الإرث 



عزيزي او عزيزتى متنسوش تشتركوا في المدونة عشان يوصلكم كل جديد من مقالات أو أعمال فنية جديدة... كمان نحب تشاركنا رأيك أو نقدك في التعليقات 👇 



 لمحبي الروايات النفسية المثيرة أو الرومانسية إليك هذة الأعمال الإبداعية

قصة الغموض النفسي "رحلة البحث عن موت هادئ"



رواية التشويق والإثارة (1:1) الحلقة الأولى | البريف




© جميع الحقوق محفوظة 2026 – للكاتب: مايكل عزمي. يمنع نسخ أو إعادة نشر أو استخدام هذه الكلمات كليًا أو جزئيًا دون إذن كتابي مسبق



التصنيفات:

رواية، روايات، دراما مؤثرة، ألعاب نفسية، ألعاب عقلية، المرض النفسي، الطب النفسي، خيانة، الصحة النفسية، السيطرة، القبضة، مدونة قصصي، قصصي، روايات مصرية، الإحساس بالذنب، الانا، جريمة، دراما نفسية، تشويق، إثارة نفسية، غموض، أسرار، ابتزاز. 

GRASP

Psychological Thriller • Crime • Drama

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية الجريمة والإثارة (1:1) الحلقة الأولى - البريف

رواية التشويق والإثارة (1:1) الحلقة الثانية - البراند

قصة غموض نفسي | رحلة البحث عن موت هادئ | الجزء الأول | مجموعة "لو" القصصية

قصة رحلة البحث عن موت هادئ | الجزء الأخير - نهاية الرحلة | مجموعة "لو" القصصية

رواية التشويق والغموض (1:1) الحلقة الرابعة - ذنب الوجود

رواية قاتل متسلسل (1:1) الحلقة الثالثة - الترند