قصة رحلة البحث عن موت هادئ | الجزء الأخير - نهاية الرحلة | مجموعة "لو" القصصية

قصة 

رحلة البحث عن موت هادئ - الجزء الثاني والأخير


غلاف قصة رحلة البحث عن موت هادئ الجزء الثاني، تأليف مايكل عزمي، في أجواء درامية مظلمة تستكمل رحلة يوسف ومواجهته مع الموت والحياة


مرت الساعات، وتحولت شمس الظهيرة الحارقة إلى خيوط ذهبية دافئة تعلن وقت الغروب. كان يوسف قد قطع كيلو مترات طويلة دون أن يشعر، وجسده بدأ يطالبه بالراحة التي حرمه منها عقله طوال اليوم.

وجد نفسه على كورنيش النيل. ألقى بجسده المنهك على مقعد خشبي قديم، ووضع حقيبته بجانبه ونظر إلى الماء الساكن.

أثنائ شروده، جلس على طرف المقعد الآخر رجل عجوز، يبدو من ملامحه وتجاعيد وجهه أنه عبر من السنين ما يكفي ليهد الجبال. كان العجوز يحمل في يده راديو صغيراً قديمًا، يخرج منه صوت "أم كلثوم" وهي تغني في خلفية شجية:


"وعايزنا نرجع زي زمان.. قول للزمان ارجع يا زمان"


لم يتبادلا أي حديث في البداية... ثم 

التفت العجوز ليوسف، ونظر إلى وجهه الشاحب وملابسه الأنيقة المرتبة، ثم قال بنبرة هادئة وصوت أجش:

شكل مشوارك كان طويل يا ابني.. ورجليك شايلاك بالعافية

لم يرد يوسف، فقط اكتفى بابتسامه باهتة وهز رأسه. لكن العجوز لم يتركه للصمت، بل أخرج من جيبه رغيفاً من الخبز وقسمه بنصفين دقيقين، ومد يده بالصورة التلقائية التي لا تجدها إلا في أولاد البلد:

سمّي الله وكل معايا.. لقمة بتمنع البلا

وجد يوسف نفسه، وبشكل غير واعٍ، يمد يده ويأخذ نصف الرغيف. مع أول قضمة، شعر بطعم غريب.. ليس طعم الخبز، بل طعم "الحياة". تذكر أنه لم يأكل شيئاً منذ ليلة أمس. 

ابتسم العجوز وهو ينظر إلى النيل، وقال كأنه يحدث نفسه:

الواحد ساعات بينسى ياكل... من كتر اللي شايله

توقفت يد يوسف للحظة.

ثم سأل العجوز بهدوء، دون أن ينظر إليه:

إنت تعبان يا ابني؟

ساد الصمت.

لم يجب يوسف.

لكنه سمع السؤال يتردد داخل رأسه.


"إنت تعبان؟"


هو ده السؤال...

السؤال اللي كان مستنيه من فترة طويلة.

كم مرة ابتسم وقال: "أنا كويس"؟

كم مرة رجع بيته وهو نفسه حد يسأله السؤال ده؟

مسح وجهه سريعًا، كأنه يخفي شيئًا لم يره أحد.

ولم يسأله العجوز مرة أخرى.

ظل الاثنان ينظران إلى النيل، بينما كانت أم كلثوم تكمل غناءها في الخلفية، كأنها تعرف أن بعض البشر لا يحتاجون نصيحة...

كل ما يحتاجونه...

أن يشعروا أن أحدًا رآهم


سكت العجوز، وأغلق الراديو، ثم قام وربت على ظهر يوسف قائلاً:

أنا معرفش إنت شايل إيه... بس ربنا يعينك عليه


ترك العجوز المقعد ومشى، واختفى جسده النحيل وسط زحام المارة.

كلام العجوز أثّر في يوسف بالفعل، ورغم أنه شعر للحظة أنه موقف تقليدي جداً يشبه المشاهد المكررة التي يراها في الأفلام، إلا أن الكلمات لامست شيئاً مكسوراً بداخله.

أخرج يوسف هاتفه المحمول الذي كان مغلقاً طوال اليوم. فتحه بقلب ينبض بسرعة، منتظراً أن يرى أثر غيابه في قلوبهم.. لكن التوقعات تبخرت بمجرد إضاءة الشاشة.

انتظر.... 

لا شيء.... 

بعد ثوانٍ، اهتز الهاتف.

ابتسم تلقائيًا...

لكن كانت رسالة من شركة الاتصالات تخبره بقرب انتهاء باقته.


لا مكالمة واحدة من أهله. لا رسالة من أي صديق.


لم يلاحظ أحد غيابه؛ فقد اعتادوا منه دائماً الخروج لساعات طويلة، والعودة متأخراً في صمت دون أن يثير أي ضجيج.

شعر برودة قاسية تجتاح أطرافه. الأمل التقليدي الذي زرعته كلمات العجوز تحطم أمام واقع الهاتف البارد. لم يتراجع يوسف، ولم يقرر العودة نادماً. أعاد الهاتف إلى جيبه، وعدّل الحقيبة على ظهره، وتابع رحلته في مشي متواصل وسط الشوارع التي بدأت تفرغ من صخبها مع دخول الليل.

تجاوزت الساعة منتصف الليل، ووصل يوسف إلى حَيّ هادئ ومظلم. وقف أمام واجهة عرض زجاجية لمحل مغلق بالكامل، ونظر إلى انعكاس صورته في الزجاج الداكن كانت هذة المرة الأولى اللتي يرى يوسف نفسه في المرايا منذ الصباح قبل أن يخرج من بيته.

لمح الطقم الجديد الذي كان يرتديه بعناية صباحاً.. كان قد فقد بريقه، واتسخت أطرافه بتراب الشوارع ورطوبة الليل. نظر إلى نفسه طويلاً في ذلك الظلام.. تذكر الأوراق المرتبة فوق السرير والمغطاة بالملاءة النظيفة.

فجأة، داهمه شعور غريب بالعبثية. العالم لم يتوقف طوال اليوم لأجله، وعائلته نامت بالفعل دون أن تشعر بأنه كان على حافة الهاوية. الموت الهادئ الذي خطط له بدا في تلك اللحظة مجرد مشهد مسرحي لن يشاهده أحد، بل مجرد غياب عادي آخر في عالم معتاد على الغياب. و من السخرية إن كل هذا قد يحدث بعد رحيله وليس قبله! 

دون أي دموع أو قرارات بطولية، شعر فجأة بإنهاك جسدي شديد. قرر أن يعود.. ليس لأنه تمسك بالحياة، بل لأنه شعر بثقل خطوته وعبثية الاستمرار في هذا السير بلا نتيجة.

تحرك في هدوء صامت وسط عتمة الليل المتأخر حتى وصل إلى بوابه عمارته. صعد السلالم ببطء، وأخرج المفاتيح، ثم فتح الباب ودخل الشقة.

كان البيت غارقاً في السكون، والجميع في أسّرتهم يغطون في نوم عميق. تسلل إلى غرفته وأغلق الباب خلفه دون صوت.


نظر إلى السرير.. كانت الملاءة النظيفة كما هي، لم تتحرك من مكانها سنتيمتراً واحداً. رفعها ببطء، ليجد بطاقته، أوراقه الرسمية، شهاداته، ومفاتيحه.. كل شيء في مكانه تماماً كما رتبه صباحاً. لم يلمسها أحد، ولم يلحظ أحد وجودها.


بدأ يوسف يعيد كل شيء إلى أدراجه ومكانه القديم في الدولاب في هدوء تامل. خلع ملابسه الانيقة المتسخة، واستلقى على طرف السرير في الظلام، محدقاً في السقف بصمت.


لم تتغير مشاعره، ولم يختفِ الاكتئاب، ولم يجد إجابة لأسئلته.. أغمض عينيه وهو لا يعلم إن كان استسلامه الليلة هو مجرد هدنة مؤقتة، 

"...أم أن مع أول شعاع شمس للغد... سيعيد ترتيب أوراقه فوق السرير مرةً أخرى."




لو وصلت انت لهنا حابب أعرف رأيك وتقييمك في التعليقات



العودة إلى الجزء الأول من قصة "رحلة البحث عن موت هادئ"


اقرأ أيضا على هذة المدونة روايات وقصص مختلفة:

رواية القبضة | رواية إثارة نفسية | الجزء الأول 

- قصة رأى هواءٌ يتذكر | قصة فلسفية قصيرة

انتظرنا أكثر | قصة قصيرة رومانسية 

يا صديقي...

لو كنت بتعاني من أي مشكلة فا انت مش لوحدك.. جنبك ناس كتير عندهم مشاكل اكتر منك.. حاول تصبر عليها وتحل فيها... اعمل أي حاجات حتى لو صغيرة لنفسك بس ممكن تفرحك.. اتكلم مع أي حد تثق فيه... لو معندكش ممكن تتواصل مع الأمانة العامة للصحة النفسية على الرقم المختصر 16328
وافتكر ان الدنيا دار شقاء... مش جنة


© جميع الحقوق محفوظة 2026 – للكاتب: مايكل عزمي. يمنع نسخ أو إعادة نشر أو استخدام هذه الكلمات كليًا أو جزئيًا دون إذن كتابي مسبق.


التصنيفات:

قصة قصيرة

قصة قصيرة مؤثرة

قصص قصيرة

قصص عربية

الاكتئاب

الاكتئاب النفسي

الصحة النفسية

الانتحار

الوقاية من الانتحار

الدعم النفسي

الاضطرابات النفسية

الوحدة

الحزن

الأمل

قصص عن الاكتئاب

رحلة البحث عن موت هادئ

قصصي

مجموعة "لو" القصصية 





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية الجريمة والإثارة (1:1) الحلقة الأولى - البريف

رواية التشويق والإثارة (1:1) الحلقة الثانية - البراند

قصة غموض نفسي | رحلة البحث عن موت هادئ | الجزء الأول | مجموعة "لو" القصصية

رواية التشويق والغموض (1:1) الحلقة الرابعة - ذنب الوجود

رواية قاتل متسلسل (1:1) الحلقة الثالثة - الترند