القصة القصيرة | كان الدور عليا | دراما إجتماعية، جريمة، تشويق نفسي | مجموعة "لو" القصصية
قصة
كان الدور عليا
المشهد الأول: مسرح الجريمة
كان الشارع ساكناً تماماً، باستثناء صوت محرك سيارة الشرطة وشريط الحظر الأصفر الممتد بين شجرتين عتيقتين من أشجار الفيكس. كان الضوء الضعيف لمصابيح الشارع يتسلل بين الأغصان، ويرسم ظلالاً متكسرة على الأسفلت المبتل بنقاط الندى. كانت الساعة تشير للواحدة بعد منتصف الليل.
عند باب الفيلا، وقف وكيل النيابة مراد بظهره المشدود واقفًا بظهره للشارع. رجل في أواخر الخمسينيات، شعر أبيض مصفف بعناية حادة، وجسد ممشوق لم تنجح سنوات العمل في النيابة العامة في إحنائه. ثلاثون عاماً في النيابة جعلت من مراد اسماً يُربك المحامين قبل المتهمين؛ رجل يُعرف عنه في أروقة المحاكم أنه لا ينظر للوجوه، بل للنصوص والأدلة فقط.
اقترب منه الضابط الشاب مصطفى، وحياه باحترام:
- دي أول قضية أنزلها مع سيادتك يا فندم... سمعت عن شغل حضرتك كتير
لم يلتفت مراد فوراً، بل واصل مسحه الدقيق للمكان بعينيه. قال الضابط مصطفى متابعاً:
- التحريات الأولية سيادتك بتأكد إن القاتل دخل بهدف السرقة... الفيلا مقطوعة
قاطعه مراد بنبرة قاطعة دون أن ينظر إليه:
- أنا ماليش دعوة بالتحريات الأولية بتقول إيه يا مصطفى بيك... الأدلة هي اللي تتكلم
خطى مراد خطوات محددة نحو الباب الداخلي. انحنى، ومرر إصبعه المغطى بالقفاز الجراحي حول إطار القفل، ثم اتجه نحو الصالة ووقف أمام الطاولة المنخفضة.
كان التكييف يخرج هواءً بارداً يملأ الصالة، بينما إحدى النوافذ الجانبية مفتوحة بقدر سنتيمترات قليلة. انحنى مراد قرب الطاولة ونظر بتركيز شديد؛ كان هناك كاسان كبار وبينهما بقايا عصير، وتحت أحدهما دائرة جافة من أثر كوب آخر أُزيح من مكانه.
رفع مراد رأسه وقال برزانة واثقة:
- مقبض الباب ملهوش أي أثر كسر... وواضح إن حد حاول يأثر على تقدير زمن الوفاة بفتح الشباك مع تشغيل التكييف... والأهم، إن فيه أثر لكوب ثالث اتشال من الطاولة، لكن الكاسين دول محطوطين في مواجهة بعض بانتظام
وضعية الجثة على الأريكة مسترخية مفيهاش أي أثر لمقاومة
نظر في عيني الضابط مصطفى وأضاف:
- القتيل استقبل القاتل يا باشا... فتح له الباب بنفسه، وقعدوا سوا، ومكانش خايف منه ولا متوقع اللي حصل
القتيل كان الدكتور عزيز السويفي. رجل أربعيني أنيق، بشارب خفيف وشعر مرتب، هو شريك ومالك الشركة التي يعمل بها "إياد" الابن الوحيد لمراد. سبق لمراد أن تقابل مع عزيز في مناسبات رسمية واجتماعية، وكان ينظر إليه دائماً كعقلية مالية استثمارية مفرطة في الكبرياء.
قال مراد: فين بواب الفيلا؟
رد مصطفى: مفيش بواب سيادتك...
ثم أكمل
اللي بلغ هو عم إبراهيم راجل بيجي ينضف الفيلا كل يوم... المجني عليه سايب له المفتاح بيجي ينضف ويمشي
مراد: وانت متعود تجي بليل تنضف كده يا عم إبراهيم؟!
عم إبراهيم: أيوة يا باشا الدكتور كان متعود يعمل حفلات في الفيلا وكان شارط عليا أجي انضف بليل متأخر يكون الضيوف مشيوا.. بس هو مبلغنيش إن النهاردة فيه حفلة فجيت بدري شوية.. وأول ما دخلت... لقيت المنظر ده... فا بلغت على طول... الله يرحمه ويحسن إليه
مراد: اكتشفت الجريمة إمتى؟
عم إبراهيم: حوالي ١١ ونص يا بيه
انحنى خبير الأدلة الجنائية قرب الأريكة الجلدية السوداء حيث تسكن جثة عزيز، واستخدم ملقطاً معدنياً ليسحب شيئاً لامعاً مستقراً تحت الخشب. رفعه بحرص ووضعه داخل كيس بلاستيكي شفاف، ثم التفت ونادى:
- يا فندم... لقينا السلسلة دي تحت الأريكة
رفع الخبير الكيس الشفاف تحت ضوء الكشاف.
كانت سلسلة فضية ناعمة، مقطوعة الطرفين، وفي منتصفها خرزة زرقاء دقيقة وقفل صغير مدبب.
شعر مراد كأن الدم انسحب بالكامل من أطرافه. انقبض صدره فجأة وساد ثقل مرعب في كيانه، لكنه لم يسمح لعينه أن ترتعش، ولا لعضلات وجهه الصارم أن تفضحه أمام الجميع.
كان يعرف تلك السلسلة أكثر من أي شيء آخر في العالم؛ هو من اشتراها بيده من خان الخليلي قبل عامين في عيد زواجه، وهو من طوق بها عنق هدى.
بلع غصته الجافة في خفاء، وظل واقفاً كالتمثال دون أن يلمس الكيس. أغمض عينيه لكسر من الثانية ليحكم إغلاق هذا الجدار الخرساني من حوله، ثم فتحهما وقال بنبرة باردة ومحددة للغاية خالية تماماً من العاطفة:
- تتصور من أربع زوايا... ويتثبت مكان العثور عليها بالملي في المحضر، وتتسلّم لمعمل البصمات فوراً
التفت مراد ومشى بخطوات ثابتة نحو الخروج، بينما كانت يداه المضمومتان خلف ظهره ترتجفان رغماً عنه داخل قفازاته.
المشهد الثاني: العودة
كان الطريق إلى المنزل طويلاً وصامتاً بشكل قاطع.
جلس مراد خلف عجلة القيادة، وقبض على عجلة المقود بقوة جعلت مفاصل أصابعه تبدو بيضاء من شدة الضغط. تغيرت إشارة المرور إلى اللون الأخضر، وبدأت آلات التنبيه تصرخ من خلفه، لكنه ظل ثابتاً في مكانه لثوانٍ، يتأمل الأسفلت المبتل دون أن يعي ما حوله.
مد يده اليسرى دون وعي، وأخذ يلمس خاتم زواجه الفضي الأملس. كانت الأفكار تضرب عقله كالمطارق: ما الذي يربط هدى بفيلا عزيز في هذا الوقت؟ ولماذا سقطت سلسلتها تحت جثته تحديداً؟
وصل البيت. فتح الباب بهدوء ثقيل.
كانت الصالة تعبق برائحة المستكة الدافئة. صينية النحاس على الطاولة المجاورة تحمل فناجين الشاي الجافة، وصوت التلفزيون يبث موسيقى لأغنية من أغاني عبد الحليم في الخلفية دون أن يستمع إليها أحد.
خلع مراد معطفه عند الباب وعلقه ببطء. كانت هدى تجلس عند طرف المائدة الخشبية. امرأة في أواخر الخمسينيات، بملامح أمومة طيبة ونظارة طبية استقرت على أرنبة أنفها، تضع شالاً صوفياً دافئاً حول كتفيها وترتق مفرشاً من الدانتيل بإبرة وخيط.
رفعت هدى رأسها، وابتسمت له ببشاشة هادئة:
- تأخرت ليه يا مراد؟ العشا جاهز وكنت مستنياك عشان نأكل سوا
جلس مراد على الكرسي المقابل لها. وضع كفيه فوق الطاولة محاولاً رسم الهدوء:
كان عندي شغل متأخر
قامت هدى ببطء، واقتربت منه ومسحت على كتفه بحنان:
- وشك تعبان أوي النهاردة... أقوم أحضر لك حاجة دافية تشربها؟
نظر مراد إلى يدها الناعمة على كتفه، وإلى عينيها التي عاش معهما ثلاثين عاماً، وقال بصوت خفيض:
- لا يا هدى... ارتاحي
ساد صمت دافئ، قاطعه صوت الإبرة وهي تدخل القماش. قال مراد مستفسراً بصوت عابر محاولاً التقاط أي خيط:
- إياد لسه مرجعش؟
ردت وهي تركز في الخيط:
لا... لسه في الشركة كالعادة. الولد ده بيموت نفسه في الشغل عشان يثبت نفسه قدام عزيز ابن عمي
انقبض قلب مراد. ثبت نظره على عينيها، وقال بصوت هادئ ومحمل ببرودة مفاجئة: عزيز مات
توقفت يد هدى في الهواء.
سقطت الإبرة من بين أصابعها على القماش، واتسعت حدقتاها في ذهول.
المشهد الثالث: المواجهة
تجمّدت عينا هدى، وارتفعت نظرتها تدريجياً لتقابل عينيه في صمت مشحون بالذعر.
وقف مراد واقترب منها. بدأ جدار الصلابة ينشرخ في نبرته، وانحنى فوقها واضعاً يديه على طرفي كرسيها، وقال بنبرة حذرة ومباشرة:
- كان بينك وبينه إيه يا هدى؟
لم تجب. خفضت عينيها نحو الأرض.
ضغط مراد على الكرسي وقال بصوت متصاعد: روحتيله ليه؟ آخر مرة شوفتيه إمتى؟
ظلت شفتها المرتعشة مطبقة. نظر مراد في عمق عينيها وقال السؤال الذي كان يخشى نطقه:
- قتلتيه؟ قتلتيه يا هدى؟
لمعت الصدمة في عينيها كأن السؤال صفعها.
شهقت هدى بصوت خفيض، ونزلت دمعة واحدة هادئة من عينها، مسحتها بطرف شالها سريعاً دون أن تنبس بكلمة.
وفجأة... رفع مراد صوته بغضب مكتوم وصرخة خرجت من أعمق جوارحه لأول مرة في حياته:
- اتكلمي ساكته ليه!
خيم صمت مرعب على الصالة. لم يبقَ في المكان سوى صوت تكتكة عقارب الساعة الحائطية الجافة، وصوت التلفزيون الهادئ المستمر دون أن يعيره أحد اهتماماً.
ارتجفت شفتا هدى. حاولت أن تتكلم، وتمتمت بنبرة خافتة ومتقطعة:
- أنا... لا... مش هينفع...
ثم توقفت فجأة، ورفعت نظرتها ونظرت له وقالت:
- لو قلت لك الحقيقة... هتكرهني
ساد ثقل مرعب في الغرفة. توقفت أنفاس مراد، فنظر إلى يده المرتعشة، ثم التفت بعيداً وقال بصوت خفيض ومكسور:
آسف... بس اعمل إيه؟ وأنا شايف بعيني السلسلة اللي جبتها لك في عيد جوازنا طالعة من تحت الجثة!
سكت للحظة ثقيلة وموجعة... ثم قال بصوت خافت ومشروخ:
- ثلاثين سنة يا هدى... أول مرة معرفش أبص في عينك. قولي أي حاجة! قولي إنها اتسرقت منك، قولي إنك نسيتيها عنده... قولي أي حاجة أتمسك بيها عشان أدافع عنك!
امتدت يد هدى الراجفة ولمست يده الموضوعة على الكرسي لثانية واحدة... ثم سحبتها ببطء واستقرت في أحضانها. رفعت عينين مكسورتين لكنهما مملوءتان بإصرار عجيب، وقالت بنبرة جافة وناعمة:
- لما الدور بييجي على الواحد يا مراد... بيعمل حاجات عمره ما يتخيل إنه يعملها....
تراجع مراد خطوة للخلف، مذهولاً من هذا الصمت العجيب الذي يغلفها. وفي تلك اللحظة... ولأول مرة منذ ثلاثين عاماً، كان مراد يتمنى من كل قلبه أن تكذب عليه.
المشهد الرابع: قرار التوقيع
بعد أيام قليلة من مواجهة مراد لهدى وانتهاء تحريات المباحث والأدلة الجنائية كان المكتب يضج بالصمت. مجلدات القانون الجلدية السوداء تصطف على الأرفف، وأوراق القضايا تغطي الطاولة الأبنوسية.
قضى مراد هذه الليالي في مكتبه يباشر عمله ولا يخرج منه.
كان الأستاذ فريد، محامي العائلة وصديق العمر، يقف أمام المكتب.
وقبل ان يقول شيء رن هاتف المكتب، التقطه مراد كان اتصالا من النائب العام. لا يسمع فريد منها إلا ردود مراد
- لا سيادتك مفيش استشعار حرج... القانون قانون
- أنا خدمت ثلاثين عاماً مش هاجي دلوقتي وأغير مبدأي
- أنا متشكر سيادتك ومقدر موقفك والموقف العام، وهعمل اللي طول عمري بعمله، والقانون يقول كلمته
قفل الخط ونظر لفريد الذي قال بصوت مليء بالحرص واللوم الأخوي:
- مراد... الاستدعاء الرسمي لهدى هيطلع من النيابة خلال ساعات. أنت ممكن تطلب إحالة القضية لدائرة ثانية بسبب الحرج. محدش هيلومك... معقول! معقول! دي زوجتك وعشرة عمرك
ثم اقترب خطوة وأضاف بنبرة حادة:
- لما كان الدور على الناس... كنت أول واحد تطبق القانون عليهم... لكن... لو الدور جه عليك، مش عيب إنك تكتفي بالمشاهدة وتسيب غيرك يحقق ويشتغل
رفع مراد رأسه ببطء، وكانت نبرته صلبة كالحديد لكنها محملة بمرارة مكتومة:
- أنا اللي هلوم نفسي يا فريد... الحرج بيتطلب لما نكون عايزين نداري الحقيقة. والقانون مفيهوش قرايب ولا فيه مجاملة
خرج المحامي وهو يهز رأسه بأسف.
دخل الضابط الشاب مصطفى بعد دقائق، ووضع إذن الاستدعاء ومذكرة التحفظ الرسمية أمام مراد. كان في خانة المشتبه بهم الاسم ثلاثياً: "هدى عبد الرحمن السويفي".
وقف الضابط مطوي اليدين في صمت.
أمسك مراد بالقلم الباركر الأسود. رفع القلم... لكنه تسمر في الهواء. ثبتت عيناه على اسمها المكتوب بخط الطباعة الجاف: "هدى عبد الرحمن السويفي".
أنزل السن الفضي على الورقة، وقبل أن يمس الورق، رفعه مرة أخرى بتردد ترقق داخله. ظل يقرأ اسمها في صمت، كأنه يراه لأول مرة.
تحركت عيناه لزاوية المكتب حيث استقرت صورة عائلية تجمع ثلاثة أشخاص: هو، وهدى تبتسم، وإياد الصغير يقف بينهما وهو يمسك بيده.
نظر مراد للصورة بقلب يعتصره الألم. مد يده ببطء، وقلب إطار الصورة على وجهه فوق المكتب حتى لا تتلاقى الأعين.
أعاد القلم للورقة، ونزل بالسن هذه المرة بضغط حاد قاطع، ووقع اسمه بخط عريض لا يحمل أي تراجع.
سلم الورقة للضابط مصطفى، الذي أخذها بهدوء وتردد لحظة قبل أن يقول: أوامر تانية يا فندم؟
رد مراد دون أن يرفع عينيه إليه وبصوت خالي تماماً من الحياة:
- نفذ القانون
انسحب الضابط وأغلق الباب خلفه بهدوء.
ظل مراد وحده في المكتب.
وقع مراد على أمر استدعاء زوجته... وللمرة الأولى في حياته، لم يعرف إن كان قد انتصر للقانون... أم خان بيته.
انتظر الجزء الثاني والأخير...
لمحبي روايات الغموض والقصص القصيرة:
اخترنا لك أفضلها من مدونة قصصي:
- [قصة الغموض النفسي] - رحلة البحث عن موت هادئ.
- انتظرنا أكثر | قصة قصيرة من مجموعة "لو" القصصية
- رأى هواءٌ يتذكر | قصة فلسفية قصيرة عن المدن والذاكرة من مجموعة "لو" القصصية
- [رواية التشويق والإثارة (1:1)] - الحلقة الأولى: البريف
- رواية القبضة GRASP - إثارة نفسية مؤثرة، استلام الإرث والأسرار
عزيزي او عزيزتى متنسوش تشتركوا في المدونة عشان يوصلكم كل جديد من مقالات أو أعمال فنية جديدة... كمان نحب تشاركنا رأيك أو نقدك في التعليقات 👇
التصنيفات:
قصة قصيرة
كان الدور عليا
قصة قصيرة عربية
قصص قصيرة
أدب عربي
قصة جريمة
قصة غموض
إثارة
المبادئ
الأخلاق
القانون
جريمة قتل
العلاقات الإنسانية
قصة تشويق
مجموعة لو القصصية
مايكل عزمي
© جميع الحقوق محفوظة 2026 – للكاتب: مايكل عزمي. يمنع نسخ أو إعادة نشر أو استخدام هذه الكلمات كليًا أو جزئيًا دون إذن كتابي مسبق.

تعليقات
إرسال تعليق