# الفصل السادس : متلازمة (فان جوخ)
منصف كان ساكت مذهول لأنه كان متصور إنها قضية شبه قضايا كتير شافها.. بس لقى قدامه كم من التفاصيل اللي تخوفه من شكل مستقبل الجرائم، وابتدى يتمنى من جواه إن عادل يكون بيألف بس من خلال متابته للقضية متأكد إن عادل مختلف عن أي حد اتقبض عليه في القضية دي.. وقرر يكمل الإستجواب قلب في الملفات اللي قدامه وقال:
عندى ملفات متلتلة كلها عن (1:1) دي فيها اللي قبضنا على اللي عملوها وطلعوا عيل ملهاش لازمة، ولسه فيها ملفات مفتوحة.
تحب أسمّعك اللي عندي؟ هند حلمي... الرقاصة اللي اتدبحت من تلات أسابيع. وسعيد عبد الغفار... المحامي اللي اختفى بقاله شهرين. دول كمان من إخراجك يا عالمي؟"
عادل سكت، وبص لمُنصف بنظرة حزينة، وطلع بجسمه لقدام:
- عارف يا مُنصف بيه.. أنا لما اترفدت من شركة ايهاب وفشلت في كل حاجة، قولت الدنيا لسه واسعة وهبدأ من جديد. عملت قناة على اليوتيوب، بقيت أقعد بالساعات أصور وأمنتج وأتكلم فيها عن صناعة المحتوى، وعن الأمل، وعن بكرة.. كنت بتكلم بمنتهى الأمانة والشغف. عشان محدش يقع في نفس غلطاتي، تفتكر المبدع لما يقدم محتوى محترم، الحياة بتكافئه بإيه؟ ههههه أكتر فيديو جاب عندي مشاهدات، وقف عند 500 مشاهدة!
وفي نفس الأسبوع، الراقصة 'هند حلمي' عملت أكونت على التيك توك.. الفيديو الواحد بتاعها وهي لابسه فستان مفتوح وبتقول أي هري كان بيجيب 300 ألف مشاهدة في كام ساعة! وتطلع لايفات الفجر، يتبعتلها 'أسود' وهدايا بالآلاف الدولارات..
طبعاً.. ما الأسود بتحب النوع ده من الستات.. فاهمني يا بيه؟"
مُنصف هز رأسه بالموافقة وبعدها سأله بحدة:
- عشان كده رحت دبحتها؟
عادل رد ببرود: "لاء."
مُنصف: كويس.. أهو ادي قضية برة لغزك وملكش دعوة بيها.
عادل قرب منه وقال بنبرة غامضة:
أنا مقولتش إني مليش دعوة بيها.. أنا قولت مقتلتهاش!
مُنصف ضرب كف على كف:
يعني إيه؟
عادل: يا بيه، على حسب اللي اتنشر في الإعلام والتحقيقات، شقتها كلها كانت متبهدلة ومكتوب على كل الحيطان بالدم علامات (1:1).. ده شغل عفاريت، وأفلام رعب رخيصة.. أنا السيناريو بتاعي واقعي ونظيف، علامة واحدة وفي مكانها الصح كافية.. زي أي براند عالمي بيحترم نفسه.
هند حلمي ماتت ضحية 'الجنون ورا التريند'. واحد من المراهقين اللي بيتابعوها، عيل مهووس بالشهرة، دخل شقتها عشان يعمل معاها تيك توك ويتشهر عيل من النوع المازوخي
بتوع يا ملكة نفسي اعيش تحت رجلك،
انتي جزمتك جوهرة،
واللي متصور انها بتعمل حمام كريز ومستعد ياكله عادي!
مشترك في جروبات محبي باط الفنانة ايمي السيد،
و عشاق عرق النجمة شاهيناز..
متسغرب ليه يا باشا اسأل زمايلك في مباحث الانترنت هتلاقيهم عارفين الكلام ده كويس.
بس كده.. دخل عليها ولما قاومته دبحها.. ما الفنانات دول تمنهم عند الغلابة لايكات ومشاهدات حماله ساقطه بنطلون محزء.. بس اكتر من كده يبقى اسبوع في سويت في دبي ولا على يخت وهدايا ألماظ. والعبيط لما اتورط وحب يهرب من الجريمة ويصنع لنفسه هالة 'السفاح الأسطوري'، قعد يكتب علامتي في كل شبر في الشقة عشان يرمي التهمة على سفاح الـ (1:1) ويعمل تريند يغطي بيه على خيبته.. الغباء البشري هو اللي قتل هند، مش أنا.. بس غبائهم استخدم علامتي.
منصف: وانت عرفت منين كل ده؟
عادل: معرفش... أنا بخمن... ولو أنا اللي بكتب السيناريو بتاعها... ده كان هيبقى تفسيري.
وفيه فكرة تانية راجل أعمال بعد ما اتبسط و اتسحر بيها قتلها بدافع حب التملك بس دي نهاية نمطية وحصلت في الحقيقة فا مفيش عنصر الابهار هنا فا هكتب الفكرة الأولى.
مُنصف هز راسه بيأس:
ماشي.. هند وفهمناها. والمحامي سعيد عبد الغفار؟
عادل عينيه لمعت باحترام حقيقي للفكرة:
- سعيد.. فده كان محامي ضلالي. يبيع الموكل بتاعه بـ 1000 جنيه زيادة. ياما افترى على ستات غلبانة وظلمهم لحساب أزواجهم اللي رموهم في الشارع. المحامي ده كان من منطقتنا.. ولأن 'المحامي' لو دوره الحقيقي في الدفاع عن الحق غاب.. ميزان العدالة كله بيختل. فكان لازم هو كمان يغيب، ومحدش يعرفله مكان.
أنا خطفته.. وسيبته لمصيره.
كلمته على إني موكل جديد وعندي مشكلة على حته أرض مع مجموعة بدو وعندي قعدة معاها وعايز حد كبير وفاهم يجي معايا ويتكلم معاهم.. طبعا وافق وسافرنا وفي ريست اشتريت له عصير وحطيت فيه مخدر لما نام ربطته و رميته ورا تبه عالية لما يفوق هيحاول يزحف لحد ما يلاقي الطريق وهنا قدره هو اللي هيتحكم في الموضوع هيزحف في انهي اتجاه!
وسرعته قد ايه! وبما انه غايب بقاله شهرين فا اتصور اني الإجابة واضحة..
ولما رجعت المنطقة، وسيبت علامتي (1:1) محفورة على باب مكتبه.. كانت أول مرة في حياتي أشوف فرحة في عيون أهل منطقتنا.. فرحة بالعدالة اللي أنا كتبتها ونفذتها بإيدي.
مُنصف وقف بغضب، وخبط على المكتب الحديد بإيده، وصوته هز جدران الأوضة:
- وأنت مالك يا سيدي؟! أنت مين أصلاً عشان تتحكم في أقدار الناس؟ أنت ربنا؟! ما فيه ربنا في السما هيحاسب كل واحد على عمله في الآخرة!
عادل متهزش، فضل قاعد مكانه، وبص لمُنصف بنظرة فيلسوف متمكن:
لو الحساب كله للآخرة... ليه عندكم محاكم؟
مُنصف رد بزعيق: اه.. ونعيش في غابة؟!
عادل ابتسم بسخرية قاتلة:
وإحنا دلوقتي في إيه؟
مُنصف أخد نفس طويل، وقعد على كرسيه، وبدأ يبتسم بسخرية خبيثة.. قرر يضرب عادل في مقتل أفكاره، في الـ Ego بتاعه كـ "مخرج ومبدع":
- أنت في الآخر طلعت هجاص يا عادل. لا أنت مبدع، ولا مخطط، ولا مخرج عالمي ولا زفت!
أنت مجرد عيل الحظ خدمه في كام لقطة.. عيل سكران سايق عربية فدخل في حيطة..
وواحد مهلوس بالادوية قفل على نفسه الباب ورمى نفسه من البلكونة.. وأهي مشيت معاك بالصدفة والقدر! أحب أقولك يا عادل يا (شاهين) .. السيناريو بتاعك ده لا هو من إخراجك ولا من تأليفك.. ده شغل 'القدر الصامت'.. أنت مألفّتش حاجة.. أنت مجرد 'مُشاهد'
الكلمات نزلت على عادل كأنها طعنة. ملامحه اتشنجت، والبرود اتمحى من وشه لأول مرة. عادل اتضايق جداً، عروق رقبته برزت، وقرب من مُنصف لدرجة إن أنفاسهم اتقابلت، وقال بصوت فحيح مرعب ومليان فلسفة حادة:
- القدر مجرد مادة خام يا مُنصف (كان أول مرة يقول اسمه بدون ألقاب بسبب أهانته) .. زي الحبر والورق واللوكيشن الضلمة..
القدر بيدي 'الصدفة'، لكن الواقع هو اللي متغير. أنا مكنتش مُشاهد.. أنا اللي أخدت الصدفة دي وصيغتها، وحولتها لـ 'دراما حتمية'. القدر كان سايب رامي يسوق وهو سكران بقاله سنين ومماتش.. أنا اللي حددت اللحظة والمكان وكشافات النور!
القدر كان سايب ايهاب يهلوس في شقته ومماتش.. أنا اللي اتصلت وبنيت الكادر الكابوسي في دماغه لحد ما خليت الموت هو المخرج الوحيد ليه من صوتي.
القدر بيسيب الخيوط سايبة.. المبدع هو الوحيد اللي بيجمع الخيوط دي عشان يكتب بيها 'الواقع الحقيقي' ويحدد مصيره وينفذه.
أنا مأخدتش لقطة بالحظ.. أنا أجبرت الحياة لأول مرة في تاريخها، إنها تقعد على كرسي المتفرج.. وتتفرج على المشهد بتاعي أنا.. سيناريوهات الدنيا محفوظة ومكررة، مش دايماً بيتقال التاريخ بيعيد نفسه..
لما بتتفرج على فيلم بتنبهر بتفاصيل الحكاية والأداء مش بالنهاية لأنك في الغالب من نص الفيلم بتكون عارفها، والخير هينتصر على الشر.. بذمتك شوفت كام حكاية في حياتك الشخصية الخير هو اللي انتصر فيها!! وحتى لو شوفت هتبقى خرجت برة بدري قبل ما التترات تنزل والمشهد الاخير وهو بيضحك على سذاجتك.
يتحول التحقيق لمبارزة سريعة وقوية
منصف: يعني انت شايف إنك صح؟ إنت المخلص؟
عادل: أبدا
منصف: حلو يعني انت واحد مجرم.. لا فنان ولا نيلة
عادل: أنا مش مجرم.. مفيش حد بياخد حقه يبقى مجرم!
منصف: اللي ياخد حقه بالقتل يبقى مجرم... وربنا قال: "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق
عادل: وقال الفتنة أشد من القتل.. مبتحكموش ليه على الفتانيين بالإعدام؟
منصف: أنت بتقتطع نص من سياقه عشان يخدم فكرتك!
منصف ابتسم لأول مرة لما حس ان دي أول مرة منطق عادل ضعيف وقال:
ربنا هو الوحيد اللي يعرف يقيس الذنب من جوه القلوب. إنما القانون... بيحاكم الأفعال اللي يقدر يثبتها، مش النوايا ولا حجم الوجع.
عادل يسكت ثانية فيكمل منصف:
لو كل واحد ادّعى إنه عرف مين يستحق يعيش ومين يستحق يموت... مكنش هيبقى فيه مجتمع. كان كل واحد هيبقى قاضي وجلاد في نفس الوقت.
صمت - - - - - - - - - - -
يكمل عادل ويكسر الصمت اثناء ما منصف منتظره يرد عليه ويهرب من السياق ويقوله تسمع عن متلازمة فان جوخ؟!
منصف يسكت سكوت واحد مش فاهم اللي قدامه بيقول ايه بس مش عايز يبين.. فا يعزم عليه بسجارة، ويشاور عادل بالرفض لانه مش بيدخن..
ويقوله: حتى السجاير مبتشربهاش! انت غريب ما كنت طلعت همك في السجاير يابني ولا قعدت على القهوة وكنا خلصنا من الهم ده كله!
يتجاهل عادل كل كلامه ويكمل:
تعرف إيه أصعب حاجة تحصل لمبدع؟
منصف: إيه؟
عادل: إنه يموت... قبل ما الناس تعرف قيمته.
متلازمة فان جوخ ده مصطلح طلع بعد موته.. واه عشان انت مش عارف هو مين ده واحد مش أهم وأشهر رسامين العالم في التاريخ، مبدع زي ده في عشر سنين بس رسم 2000 لوحة
بس تفتكر استفاد منهم؟
أبدا عاش ومات فقير محدش يعرفه ولا مقدره.. المه النفسي كان ضاغط عليه خلاه يبدع و يسبق.. ولما عقلك يسبق إيقاع الزمن بتحس انك في وحدة أكبر وبتكون نهايتك الإنتحار..
بس خمن يا منصف بيه الدنيا هتسكت لحد هنا؟! لا إزاي!
بعد ما مات لوحاتها اتباعت بملايين الملايين واكتر لوحات تم محاولات سرقتها من المتاحف عشان واحد غني تافه يعلقها عنده في الصالون ويتفاخر بيها قدام ناس تافهين زيه.
أنا محبتش أموت من سكات، طول عمري كنت بحلم الناس تستنى شغلي. دلوقتي أول ما جريمة تحصل... البلد كلها تستنى الحلقة اللي بعدها حتى لو مش من تنفيذي.
معرفتش اخليهم يكرموني عن أعمالي الكويسة.. فا اجبرتهم يحترموا مواهبي على حياة عيني بالطريقة دي..
اشمعنا أنا هو مش فيه رؤساء بيقوموا حروب يقتلوا فيها ملايين ملهمش ذنب وبعدين يقعدوا مع بعض في التكييف يمضوا حتة ورقة ومعاهدة سلام، ويروحوا ياخدونوا نوبل! اشمعنا أنا
هقولك جملة وياريت تفهمها كويس:
الموهبة لما متلاقيش مسرح... بتكسر الباب وتطلع الشارع.
مُنصف فضل ساكت وجواه احترام لعادل وفي نفس الوقت صعبان عليه:
- فيه جرايم تانية عايز تحكي لي عليها؟
- اه فيه بس كلها كانت مشاهد عادية بتحضر المتفرج للذروة فا مش مقامك.
أي ظابط تحت أيدك هيقفل التحقيقات هقوله عليها..
منصف: هو انت قصتك ايه؟ ماتش ولا سيناريو ولا فيلم؟؟
عادل:
انا بكتب سيناريو لماتش الناس هتتفرج عليه في فيلم.
منصف وهو مش عارف يستوعب
- وريني طيب.. مشهد الفجر الإبداعي بتاع أبوك وأمك اتكتب ولا اتلعب إزاي؟
------------
# الفصل السابع: ذنب الوجود (0 : 0)
عادل سكت خالص. الملامح الغاضبة اللي ظهرت لما مُنصف استفزه اختفت، ورجعت مكانها مساحة واسعة من الحزن المكتوم، حزن قديم وراكد زي مية مستنقع. بص لإيده المتكلبشة، وبدأ يتكلم بصوت واطي، نبرته خالية من أي رغبة في التحدي، صوته كان طالع من حتة غريقة جوة روحه:
- عارف يا مُنصف بيه.. المبدع دايماً بيبدأ رحلته من البحث عن 'السبب الأول'. في كل سيناريو بنكتبه، المشهد المحرك للأحداث اللي بسببه البطل بقى بطل، أو الشرير بقى شرير.
وأنا من أول يوم رامي سرقني فيه، لغاية ليلة إعدام إيهاب.. وأنا بسأل نفسي سؤال واحد: هي الحياة عرفت تكسرني ليه؟ إزاي لقت فيا الحتة الطرية دي اللي خلت السكاكين تدخل في ضهري بالسهولة دي؟"
رفع عينه لمُنصف، وعينيه كانت مليانه بالدموع بس مانزلتش:
- واكتشفت إن السبب الأول.. مكانش رامي، ولا راغب، ولا إيهاب. السبب الأول هو 'الوجود' نفسه. أبويا وأمي. الناس دي مكانتش وحشة يا بيه، دول ناس طيبين وغلبانين أوي..
أبويا وأمي عمرهم ما ظلموني... بالعكس. دول أكتر اتنين حبوني.
ودي كانت المشكلة.
ارتكبوا في حقي الجريمة اللي مبيحاسبش عليها قانونكم:
لأنهم جابوني لدنيا عمرها ما حبتني.
شقيوا كتير لحد ما ربوني وكنت كل املهم، زرعوا جوايا جينات 'الإبداع والكرامة والطيبة' في عالم مبيحترمش غير الفلوس والـمَظاهر والنفوذ.
جابوني لدنيا كلها معارك وسابوني أعزل.. كأنهم رموا عيل صغير في قفص أسود، وسابوه يواجههم بـ 'قلم وكشكول رسم'.
واتسألت نفسك تطلع إيه؟ وحلمت وجاوبت لكنها مش بالتمني.. حط اتنين بنفس القدرات والظروف هتلاقي واحد نجح والتاني لأ عشان في المعادلة حاجة إسمها نصيب حظ أيا كان الإسم مش هتقدر تحاربهم ولا تقتلهم..
أهلي هما السكينة الأولى اللي فتحت بطني للحياة.. هما اللي خلقوا الضحية.
منصف: انت شايف نفسك ضحية! كل اللي قعدوا مكانك شافوا نفسهم كده برضه.. انت مش ضحية انت مجرم وقاتل بدم بارد.
عادل: أنا مش مجرم.. أنا مبدع
منصف: لا حول ولا قوة الا بالله.. انت مجنون يا عادل
بس إوعى تفتكر جنونك ده هيرحمك من العدل اللي تستحقه
عادل: ما الفنون جنون.
تتغير حيطان المكتب بحيطان بيت عادل والكرسي اللي قاعد عليه يبقى الكرسي الخشب اللي كان قاعد عليه بعد جريمته بس مفيش جثث حواليه
الساعة 2:30 صباحاً. الشقة هادية تماماً. الأب والأم العجوزين نايمين في سريرهم بسلام. عادل يقوم من على الكرسي في الصالة، باصص لصور طفولته المتربة على الحيطة.. صوره وهو ماسك شهادات تقدير من المدرسة، وصور ملامحه فيها كانت لسه بريئة ومنورة.
عادل دخل أوضة نومهم بهدوء شديد. مكنش معاه سكاكين ولا مسدسات. عادل كان معاه "شريط دواء مهدئ ومنوم قوي جداً" هما كبار في السن، صحى أبوه براحة: "بابا.. خد الدوا بتاعك أنا لقيته اخيرا" . الأب ابتسم وأخده، وصحى الأم "طبعاً نسيتي الدوا زي كل يوم" وادتها نفس الجرعة.. جرعة زائدة ومميتة لقلوب عاجزة في السن ده، بس هتموتهم في سريرهم ومن غير أي ألم.
قعد جنبهم على السرير، مسك إيد أبوه وإيد أمه.. وفضل يعيط في الصمت وهو باصص لملامحهم اللي بدأت تسترخي تماماً ويدخلوا في النوم الأخير. كان بيعيط حزناً عليهم، وحزناً على نفسه.
بعد ما النبض وقف.. عادل سحب الجثتين بالراحة، خرجهم للصالة. حط الأب على اليمين، والأم على الشمال. وجاب "الموس" وجرح إيديهم بعد الوفاة، ورسم بالدم السايل رقم (1) جنب الأب، ورقم (1) جنب الأم.. وقعد هو في النص على الكرسي الخشب القديم.. وطفي النور.. ومسك التليفون عشان يطلب النجدة.
(العودة للحاضر - لسه في الشقة بس قدامه قاعد منصف بنفس وضعهم في غرفة التحقيق)
عادل بص لمُنصف والدموع أخيراً نزلت على وشه:
منصف: ليه طلعتهم الصالة؟
- كنت شايف إن كده شكل الكدر أحلى.. لوحة مرسومة
منصف: و دموعك دي دلوقتي ندم؟
- يمكن اه و يمكن لأ.. بس في كل الأحوال الناس بتحب الدراما، أصل الأعمال الكوميدية الناس بتبفى عارفة إنها زي المخدرات ساعة وهيروح تأثيرها وهيرجعوا للدراما اللي في حياتهم..
--- صمت---
- أنا مقتلتهمش كرهًا فيهم يا مُنصف بيه.. أنا قتلتهم شفقة علينا كلنا. تخيل أنا معاك دلوقتي وهما بيتذلوا برة لأمين شرطة أو عسكري عشان يعرفوا معلومة أو يدخلوا لي لقمة هما مكنوش ناقصين ولا هقدر أعمل فيهم كده.. حالتهم هتبقى عاملة إزاي لو اتعدمت؟
منصف: لو اتعدمت!! باستعجاب كبير.. طب ليه سلمت نفسك؟ مهربتش ليه!
عادل: عشان كنت لازم أنا اللي أكتب النهاية.. مش الدنيا
كان لازم أقفل 'السبب الأول' عشان اللعبة تنتهي. هما جابوني الدنيا صفر.. وأنا برجعهم للعدم صفر.
منصف يقوله: لأ.
أبوك وأمك مدوك بالحياة.
وإنت اللي اخترت تعمل منها كل ده.
متحاولش تحملهم ذنب السيناريو اللي كتبته بإيدك
يسكت عادل ثواني... يحاول يعقد الكلبشات في ايده بغضب.
بس يرد بصوت واطي:
يمكن... بس أي مؤلف وهو بيكتب بتبقى شغلاه النهاية من أول كلمة بيكتبها، والنتيجة النهاردة الفجر مكنتش (1:1) بيني وبينهم.. النتيجة كانت (1:1) بيني وبين الحياة.
لأول مرة... الحياة مبقاش في إيدها حاجة تهددني بيها.
لا حلم. ولا أهل. ولا خوف.
بقيت واقف قدامها فاضي... وهي لأول مرة مش لاقية تضربني فين.
مُنصف كان باصص لعادل، ولأول مرة في مسيرته المهنية، مكنش عارف يصنف اللي بيسمعه بإيه. الكلام كان أكبر من خانات "القاتل والمقتول". سأل عادل بصوت واطي:
- والنهاية يا عادل؟ تفتكر الماتش قفل كده؟ مندمتش لحظة؟ مفكرتش مرتين قبل ما تعمل كده؟
عادل: كسرتي قدام أهلي وخيبة أملهم فيا كانت أقوى من مشهدي الاخير معاهم.
منصف: يابني ما كل الناس بتفشل في حياتها.. مرة واتنين.. متخيلتش يا عبقري إن ربنا ممكن يكون كاتبلك حاجة أحسن بعدين؟ يعوضك عن كل اللي شوفته؟ مش ممكن تفضل فاشل ٤ ولا ٥ سنين وفي ٦ شهور بعدهم ربنا يديك اكتر ما كنت بتحلم
انت حد ضعيف مهزوم تستاهل اللي حصل فيك واللي لسه هيحصل انت داخل على عشماوي
عادل توتر من كلام منصف عن الفرص التانية لكنه فضل متمسك بالسيناريو بتاعه وابتسم ابتسامة هادية جداً، وصافية، زي ابتسامة مخرج بيشوف تتر النهاية وهو بيبدأ يترفع على الشاشة ليلة العرض الأول:
- المشنقة مش هي الكادر الأخير يا مُنصف بيه.. العرض خلاص خلص، والجمهور قايم يروح وهو بيسقف.. وأنا قفلت الماتش تعادل. ومحدش.. محدش بيفتكر اللي خسر.. الناس دايماً بتفتكر الـ مات كسبان وبتحترم اللي لعب و اتعادل.
و أنا كنت أول سيناريو يكتب عن بطل حقيقي شبه ناس كتير، قدر يواجه بدون قوة خارقة ولا عنكبوت يقرصه ههههه
أنا أول ورق يتنفذ ويكون كل مشهد ليه مبرر درامي و واقعي، ولا مخرج يتزنق فيه فا يقر مبدأ (المخرج عايز كده)
ياما أعمال عظيمة يا منصف بيه كان ليها جزء تاني وتالت..
عادل سكت، ورجع ضهره لورا، وغمض عينيه.. وصوت تكتكة ساعة غرفة التحقيق بدأ يعلو ويعلو.. لحد ما الشاشة اسودت تماماً
(Fade to Black).
مشهد اخير
بعدها
أثناء مشاهدة منصف لمباراة في كأس العالم بالبيت والمعلق بيقول النتيجة الآن (1:1)
خرج ابنه الصغير بيقول:
بابي بابي.. شوفت الرسمة بتاعتي الجديدة في الكلاس
قبل ما منصف يشوفها قال ااااااللله حبيب بابي..
يمسك الورقة يلاقي ابنه راسم لاعيبة في ماتش والنتيحة مكتوبة (1:1) وتحتها مكتوب التعادل بيكسب....
يقوله منصف يعني ايه التعادل بيكسب! سمعتها فين دي؟
ابنه يرد: منتشره على التيك توك يا بابي.. كل الناس بتقولها
------النهاية-----
يا صديقي...
لو كنت بتعاني من أي مشكلة فا انت مش لوحدك.. جنبك ناس كتير عندهم مشاكل اكتر منك.. حاول تصبر عليها وتحل فيها... اعمل أي حاجات حتى لو صغيرة لنفسك بس ممكن تفرحك.. اتكلم مع أي حد تثق فيه... لو معندكش ممكن تتواصل مع الأمانة العامة للصحة النفسية على الرقم المختصر 16328
وافتكر ان الدنيا دار شقاء... مش جنة
لو وصلت لحد هنا يهمنا رأيك / تقييمك / اقتراحاتك
تحت في التعليقات 😊
—------___-_--------
لمشاهدة الحلقة الأولى:
لمشاهدة الحلقة الثانية:
لمشاهدة الحلقة الثالثة:
اقرأ أيضا على مدونة قصصي:
تصنيفات: رواية، تشويق، جريمة، روايات عامية، الفصل الأخير، النهاية، قاتل متسلسل، غموض
© جميع الحقوق محفوظة 2026 – للكاتب: مايكل عزمي. يمنع نسخ أو إعادة نشر أو استخدام هذه الكلمات كليًا أو جزئيًا دون إذن كتابي مسبق
تعليقات
إرسال تعليق